10/1/2017 3:24:08 PM

تصفية الصحفيين السوريين وقتل الوجه الحقيقي للثورة

تصفية الصحفيين السوريين

تصفية الصحفيين السوريين

 
 
1/10/2017
كاتب صحفي سوري ابراهيم العلبي
 
فُجع السوريون بنبأ مقتل الناشطة الإعلامية المخضرمة، الدكتورة عروبة بركات، وابنتها الصحفية حلا بركات، في منزلهما بحي أوسكودار بمدينة إسطنبول التركية، حيث تقيمان، ليس لكون العائلة بجميع أفرادها ثواراً ومناضلين ضد نظام الأسد، منذ عقود فحسب؛ بل لأن الجريمة تحمل في ملابساتها بصمات استخباراتية.
بحسب المعلومات الواردة من الشرطة وأقارب الضحيتين، وسكان البناء الذي وقعت فيه الجريمة، فقد أقدم القتلة على قتل عروبة وحلا بطريقة لم تلفت انتباه أحد من الجيران، ما يعني أنهم استخدموا السكين أو مسدساً كاتماً للصوت، بحسب روايتين متضاربتين، ويبدو أن الضحيتين أظهرتا قدراً كبيراً من المقاومة، حيث سُجّل تحطم بعض الأثاث في المنزل، لينتهي المشهد الأسود بقيام القتلة بسكب مواد التنظيف على جثتي عروبة وابنتها، لكي لا تفوح رائحة موتهما بسرعة، وهذا أول مؤشر على أن الجريمة ذات بُعد سياسي ونفذتها أيادٍ استخباراتية مدربة، وليست جنائية، رغم أنها تحتمل كلا الأمرين.
وإن كنا لا نضع أنفسنا مكان المحققين، إلا أن من حقنا أن نسأل سؤالهم التقليدي في كل جريمة: من المستفيد؟ وبقدر ما يبدو السؤال مهولاً تبدو الإجابة بسيطة، فالدكتورة عروبة بركات (60 عاماً) ناشطة معارِضة لنظام الأسد الأب والابن منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما اضطرها إلى ترك سوريا وبدء رحلة هجرة متعددة المحطات، قادتها إلى كل من الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، حيث أنجبت ابنتها حلا بركات، وانتهت بها في إسطنبول، حيث أقامت منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 وعُرفت بمواقفها الصلبة من النظام ونقدها مؤسسات المعارضة.
أما حلا نفسها (22 عاماً)، فقد تخرجت لتوها في جامعة إسطنبول بتخصص العلوم السياسية، وكانت تعمل صحفية في موقع 'أورينت نيوز' النسخة الإنكليزية، وعملت قبله في قناة 'تي آر تي' التركية النسخة العالمية، كما أنها ناشطة بقوة في فعاليات الثورة.
وأكدت الشرطة التركية، بحسب صحيفة 'يني شفق' المحلية، أن كلاً من حلا وأمها كانت تسهم في التحضير لإنتاج فيلم وثائقي يحكي قصة الثورة وأسبابها المتمثلة بالحكم القمعي السلطوي لآل الأسد، كما ذكرت الشرطة أن عروبة تلقت تهديدات من طرف النظام في الآونة الأخيرة.
صحيح أنه ليس بمقدورنا الجزم بمن يقف خلف الجريمة، التي لا تشبه إلا أكثر عمليات الاغتيال السياسي احترافاً، لكنه يتعين علينا أن نضع في حساباتنا 3 عمليات اغتيال سياسي مشابهة حدثت على الأراضي التركية منذ عام 2011، واستهدفت صحفيين وناشطين إعلاميين مقيمين في تركيا.
العملية الأولى قًتل فيها عضو حملة 'الرقة تذبح بصمت' إبراهيم عبد القادر، وصديقه فارس حمادي، أحد إعلاميي الرقة، ويعمل في مؤسسة 'عين على الوطن'، وذلك عندما عُثر عليهما مذبوحَين مقطوعَي الرأس في شقتهما بمدينة أورفة (جنوب تركيا) في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2015.
فيما قُتل في العملية الثانية الناشط الثوري والإعلامي ناجي الجرف، الذي ينحدر من الأقلية الإسماعيلية من مدينة السلمية، بإطلاق نار من مسدس كاتم للصوت، في مدينة غازي عنتاب بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2015.
أما العملية الثالثة، فقد أطاحت بالإعلامي الشيخ زاهر الشرقاط الذي كان يعمل في قناة 'حلب اليوم' الثورية، وذلك بطلق ناري أصابه في الرأس، بمدينة غازي عنتاب حيث يقيم بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2016، ليتوفى بعد يومين متأثراً بإصابته.
والجامع بين ضحايا عمليات الاغتيال الثلاث السابقة أن تنظيم داعش تبناها بالكامل، وبث شريطاً مصوراً أظهر طريقة إعدام كل من إبراهيم عبد القادر وفارس حمادي وناجي الجرف في وقت لاحق.
والجامع أيضاً بين هؤلاء الضحايا وآل بركات، أنهم جميعاً يتخذون موقفاً حازماً من التطرف وتنظيمي داعش والنصرة، ولهم نشاطات مشهودة في هذا الصدد، في الوقت الذي يتخذون موقفاً مماثلاً -وربما أشد صرامة- من نظام الأسد ويؤيدون الثورة بكل طاقتهم، ويحملون خطاباً وطنياً يُفسد على النظام دعايته الكاذبة بحق الثورة وطبيعتها.
لكن، ما هي خصوصية هؤلاء الأبطال مقارنة بغيرهم، لا سيما أن هذه الصفات تنطبق على الكثير من الناشطين الصحفيين؛ بل والسياسيين والإغاثيين وغيرهم؟ والجواب في أن كلاً منهم يمثل إضافة مهمة للثورة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، ويمثل استمرارها عائقاً أمام رواج دعاية النظام السوداء بحقها.
فحملة 'الرقة تذبح بصمت'، رغم تركيز جهودها في فضح ممارسات تنظيم الدولة، فإنها لم تستثنِ النظام من نشاطها ولا حتى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي يكن لها الاحترام، وقد وصل بها الحال إلى أن حصلت على جائزة أميركية عالمية للصحافة قبل أسبوع واحد من عملية اغتيال أحد أعضائها.
وأما ناجي الجرف، فإن انتماءه إلى أقلية طائفية واستمراره على ممالأته الثورة ومعارضته للنظام وفضحه جرائمه، بجانب جهوده البارزة في مكافحة تنظيم داعش إعلامياً- تمثل شوكة في حلوق أبواقه التي تنفخ في كير الطائفية وتتهم الثوار بها.
زاهر الشرقاط ليس استثناء من ذلك، فهو ليس مجرد خطيب جمعة في مدينة الباب يحرض ضد النظام؛ بل شارك في تأسيس فصيل عسكري في مدينته، وترأس مجلسها المحلي، قبل أن تسيطر داعش عليها ويضطر إلى القدوم لتركيا، حيث واصل نشاطه الثوري الوطني ضد النظام وداعش بالتوازي، وذلك عبر منبر قناة 'حلب اليوم'.
هذا هو حال عروبة بركات وابنتها حلا بركات أيضاً، في الجمع بين الكفاح الإعلامي والإنساني ضد النظام والخطاب الوطني المعتدل البعيد عن التطرف، الذي لا يهادن في التمسك بمطالب المتظاهرين الأوائل، حرية وكرامة وعدالة وديمقراطية، وهو الخطاب الأول للثورة ووجهها الحقيقي الذي لطالما سعى النظام لتحطيمه أو إخفائه ما أمكنه ذلك، عبر اختراقها تارة، وتصفية رموزها تارة أخرى، ويبقى الإعلام الميدان الذي يواجه فيه أخطر المعارك، من وجهة نظر نظام يدرك تماماً أثر إرادة المجتمع الدولي في صياغة مستقبله.
تأتي تصفية صحفيين ونشطاء سوريين بتركيا إذن، ضمن خطة مدروسة، وكجزء من جهود تصفية الثورة السورية، عبر نزع كل نقاط قوتها تدريجياً، وقتل رموز وطنيتها، خطة لا يستفيد منها أحد كما يستفيد الأسد ونظامه الفاقد لأدنى مستويات الوطنية، أياً كان المنفذ، ومهما كان شكل الثوب الذي يرتديه.

مواقع التواصل الاجتماعي

تابعونا في مواقع التواصل الاجتماعي

برامج الموبايلات